حبيب الله الهاشمي الخوئي

259

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

رابحة « ولا بيع عن ذكر اللَّه » مبالغة بالتعميم بعد التّخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة ، أو بافراد ما هو أهمّ من قسمي التجارة فانّ الرّبح يتحقّق بالبيع ويتوقّع بالشّرا ، وقيل : المراد بالتّجارة الشّرى فانّه أصلها ومبدؤها . ( يقطعون به أيّام الحياة ) أي أيّام حياتهم ، ويحتمل أن يكون المعنى أنّهم يقطعون بالاشتغال به عن العلايق الدّنيويّة في تمام عمرهم ، فتكون أيّام الحياة مفعولا فيه لا مفعولا به والأوّل أظهر . ( ويهتفون بالزّواجر عن محارم اللَّه في أسماع الغافلين ) عن ذكر اللَّه أي يصيحون بالمواعظ البالغة والنّصايح الزّاجرة في أسماع أهل اللَّهو والغفلة زجرا لهم أي إزعاجا وإبعادا عن المحارم ( يأمرون ) غيرهم ( بالقسط ) والعدل ( ويأتمرون ) أي ينقادون ( به ) في أنفسهم ( وينهون عن ) الفحشاء و ( المنكر ويتناهون ) أي يكفّون ( عنه ) في ذاتهم لما عرفت في شرح الخطبة المأة والرابعة أنّ النّهى عن المنكر إنّما هو بعد التناهي عنه . ( فكأنّما قطعوا الدّنيا ) وانتهوا ( إلى الآخرة وهم فيها ) أي والحال أنّهم في الدّنيا فكأنّهم قطعوها ومضوا إلى الدّار الأخرى ( فشاهدوا ) بعين اليقين ( ما وراء ذلك ) العالم . ( فكأنّما ) هم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون وعلى الأرائك متّكؤون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون ومن هولها مصطرخون وكأنما ( اطلعوا عيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ) أي علموا فظايع البرزخ وشدايد أهله الغايبة عن نظر أهل الدّنيا في مدّة الإقامة المتمادية الطويلة لهم فيه ( و ) كأنما ( حقّقت القيامة عليهم عداتها ) في إسناد التحقيق إلى القيامة وكذا إضافة العدات إلى ضميرها تجوّز ، والمراد كأنّ القيامة قد قامت عليهم وحقّق اللَّه تعالى مواعيده التي تكون فيها من تكوير الشمس وطمس النجوم وتسيير الجبال وحشر الوحوش وكون الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش وفرار المرء من أخيه وامّه وأبيه وصاحبته وبنيه لكلّ امرء منهم يومئذ شأن يغنيه